في بعض الأحيان، قد يبقى الإنسان في العمل إلى وقت متأخر مجبرا بسبب ضغط العمل. وأحيانًا أخرى، قد يختار بنفسه البقاء متأخرا لأنه يحب عمله، ويستمتع بما يقوم به لدرجة أن الساعات تمضي دون أن يشعر بها.
حماس البدايات
وفي بداية مسيرتي المهنية كان حماسي للعمل منقطع النظير، كنت شغوفًا جدا بما أقوم به، وأضف إلى ذلك أنني كنت أحب الشركة التي أعمل فيه وإخلاصي لها لا حدود له حتى أنني في إحدى المرات بقيت في العمل لليوم الثاني!
بعد العاشرة ليلًا
ففي واحدة من تلك الليالي، تجاوزت الساعة العاشرة مساءً وأنا لا أزال في مكتبي أنهي بعض الأعمال التي أراها مهمة.
وفي ذلك الوقت المتأخر، حضر مدير الإدارة إلى الشركة لسبب ما ورآني في مكتبي. كانت علاقتي به ممتازة، ففرحت عندما رأيته.
سألني بنبرة غاضبة: «وش قاعد تسوي الحين؟»
قلت له: «قاعد أشتغل. عندي أمور مهمة ولازم أخلصها».
قال: «وإذا ما خلصتها، وش بيصير؟»
حاولت أن أشرح له أهمية ما أعمل عليه، لكنه تابع: «يعني إذا أنت ما اشتغلت، بنفشل كلنا في الشركة؟ بنقفل الأبواب ونروح بيوتنا؟ أنت الوحيد يا عبدالعزيز اللي يعرف يشتغل وإحنا كلنا ما نعرف؟»
صدمني كلامه. قبل لحظات كنت سعيدًا برؤيته، والآن أجده يوبخني بسبب بقائي في المكتب. طلب مني أن أنهي أموري وأذهب إلى البيت. أخذت أغراضي وخرجت وأنا متضايق جدًا.
بقيت بعد ذلك أسبوعًا، وربما أسبوعين، لا أتحدث معه واتفادى المرور من أمام مكتبه. لم أفهم لماذا قابل حرصي على العمل بهذا العتاب.
حديث آخر مع مديري
وفي أحد الأيام استدعاني وسألني: «ليش أنت زعلان؟»
قلت له بصراحة إنني متضايق وعاتب عليه جدًا. أخبرته أنني كنت أنتظر منه أن يشكرني أو يثني عليّ، لا أن يوبخني وأنا أحاول إنجاز عملي.
عندها قال: «يا عبدالعزيز، أنا أحب وأقدّر فيك إخلاصك وحرصك على إنجاز العمل، لكنني أريدك أن تفرّق بين حياتك العملية وحياتك الخاصة».
واستطرد في الكلام معي حتى وصل إلى:
كان يخشى أن يتحول بقائي إلى وقت متأخر عادة لا أستطيع التحكم فيها.
العمل والحياة الخاصة
عندها استوعبت الدرس، فمحدثكم كان يتأخر في العمل باختياره ولا أشعر بضيق من ذلك. أما هو، فكان يريدني أن استيقظ واستوعب تبعات ما قد يحدث إذا تعودت أن أعطي العمل وقتا على حساب صحتي وأهلي.
رسالتي هنا ليست تحريضًا ضد العمل لساعات طويلة ولا دعوة للتكاسل. رسالتي هي أن عملك عبادة، وحياتك وعائلتك تغذّيان جسدك وروحك، وتعينانك على الإخلاص في هذه العبادة.





النقاش
أرحب برأيك وتجربتك حول موضوع هذا المحتوى. تُراجع التعليقات قبل نشرها، ولن يظهر بريدك الإلكتروني للزوار.