نموذج ٧٠–٢٠–١٠… المظلوم والمسكين

نموذج السبعين عشرين عشرة، المظلوم والمسكين. لعله واحد من أكثر نماذج التدريب والتطوير شهرةً وانتشارًا واقتباسًا، وفي الوقت نفسه، أراه من أكثرها تعرّضًا لسوء الفهم والتطبيق.

ولكي نستوعب هذا النموذج ونستفيد منه، علينا أن نفهم فكرته، وأصل البحث الذي استند إليه، وحدود تطبيقه.

ماذا يعني نموذج السبعين عشرين عشرة؟

يختصر النموذج مصادر تعلّم القيادات وتطوّرها في ثلاثة مجالات: ٧٠٪ من التجارب العملية والتكليفات التي تتضمن تحديات، و٢٠٪ من التعلّم من الآخرين، و١٠٪ من البرامج والدورات التدريبية.

هذه هي الصيغة التي اشتهر بها النموذج. لكن ماذا تعني هذه النسب؟ وكيف توصّل إليها الباحثون؟ وهل يمكن تطبيقها على جميع الموظفين بالطريقة نفسها؟

أصل الدراسة

تعود جذور نموذج السبعين عشرين عشرة إلى أبحاث أجراها مركز القيادة الإبداعية (Center for Creative Leadership — CCL) في الثمانينيات، لفهم التجارب التي ساهمت في تطوير القيادات، وما تعلّموه منها.

شملت إحدى هذه الدراسات مقابلات واستبانات مع ١٩١ قياديًا تنفيذيًا من ست شركات أمريكية كبيرة. طُلب منهم استرجاع مواقف مهمة في مسيرتهم المهنية، وبيان الدروس التي خرجوا بها من تلك المواقف. ونُشرت نتائج أساسية لهذه الأبحاث في كتاب «دروس الخبرة» (The Lessons of Experience) عام ١٩٨٨م.[1]

لاحقًا، عمل مايكل لومباردو (Michael M. Lombardo) وروبرت إيتشنغر (Robert W. Eichinger)، وهما متخصصان في تطوير القيادات وشاركا في أبحاث «دروس الخبرة» لدى المركز، على تحويل نتائج البحث إلى إطار عملي للتطوير والتدريب.[7] ولم تكن مصادر التعلّم محصورة منذ البداية في الفئات الثلاث المعروفة؛ فقد شملت تكليفات العمل التي تتضمن تحديات، والتعلّم من الآخرين، والدورات التدريبية، والأزمات والتجارب الصعبة، وتجارب الحياة الشخصية.[2]

ويوضح مركز القيادة الإبداعية أن فئتَي الأزمات وتجارب الحياة الشخصية استُبعدتا عند إعداد النموذج، لصعوبة تصميمهما ضمن خطط التطوير في المنظمات. ثم أُعيد حساب نسب الفئات المتبقية، فظهرت الصيغة المعروفة: ٧٠٪ من التكليفات والتجارب التي تتضمن تحديًا، و٢٠٪ من التعلّم من الآخرين، و١٠٪ من البرامج والدورات التدريبية.[2]

استند البحث إلى تجارب قيادات تنفيذية تسترجع خبراتها المهنية المتراكمة.

وهذا السياق مهم عند الاستشهاد بالنموذج؛ فنتائجه وحدها لا تكفي لتحديد نسب التعلّم المناسبة لجميع الموظفين، باختلاف خبراتهم ومسؤولياتهم واحتياجاتهم.

هل تبقى النسب ثابتة؟

وهنا السؤال الأهم: هل أستند إلى هذه النسب وأطبّقها بالنص؟ الإجابة المختصرة: لا. فحتى مركز القيادة الإبداعية (CCL) يؤكد أن النموذج ليس قاعدة ثابتة لتصميم برامج تطوير القيادات.[3]

كما أنني أتصور أن إعادة طرح الدراسة في وقتنا الحالي، الذي يزخر بأدوات التعلّم الذاتي والتعلّم الإلكتروني والذكاء الاصطناعي، قد تُظهر نتائج مختلفة بعض الشيء. وهذا احتمال يطرحه أيضًا مقال لدى (TalentTelligent)، يعرض رواية إيتشنغر عن النموذج؛ إذ يشير إلى أن حصة التعلّم عبر البرامج والدورات قد تكون أكبر مع تطوّر وسائل التعلّم. لكنه احتمال، وليس نتيجة دراسة جديدة تثبت أن التقنية غيّرت النسب.[4]

وفي استطلاعين أجرتهما مؤسسة (Training Industry)، المتخصصة في أبحاث ومعلومات التدريب المهني، في عامَي ٢٠١٧م و٢٠٢٢م، وشملا معًا ١٬٣٩٠ مشاركًا، ظهر متوسط أقرب إلى ٥٥٪ من العمل والخبرة، و٢٥٪ من الآخرين، و٢٠٪ من البرامج والدورات التدريبية.[5][6]

لكن هذه النتائج جاءت من عيّنات وأسئلة مختلفة، ولا تمثّل مقارنة زمنية مباشرة مع البحث الأصلي. لذلك يجب دائمًا فهم الجمهور المستهدف وطريقة القياس، ولا يكفي ظهور توزيع آخر لاعتباره قاعدة ينبغي أن تتبعها كل منظمة.

تطبيق الدراسة

ماذا يعني ذلك عند إعداد خطة لتطوير موظف؟ نبدأ بخبرته الحالية، وما يحتاج إلى تعلّمه، وطبيعة المسؤولية التي نعدّه لها.

فعلى سبيل المثال، يحتاج حديث التخرج الذي يبدأ مسيرته إلى معارف أساسية وتطبيق تحت إشراف وتوجيه يساعده على فهم أخطائه وتصحيحها. والتدريب على رأس العمل مناسب له كجزء من عملية التطوير، مع تعزيزه ببرامج تدريبية ترتبط باحتياجه. لكن البحث على القيادات لا يثبت أن توزيع ٧٠–٢٠–١٠ هو الأنسب لتعلّمه. وقد تزوّده الدورة المناسبة بحلول مباشرة، وتختصر عليه وقتًا كان سيقضيه في التجربة للوصول إلى المعلومة نفسها.

كذلك، قد يحتاج صاحب الخبرة إلى برامج تعليمية وتدريبية عند انتقاله إلى مجال مختلف أو تولّيه مسؤولية جديدة. لذلك يجب النظر إلى خبرة الشخص واحتياجه التطويري، واختيار وسائل تطوير مرنة تتكيّف مع احتياجه.

نتائج بحث عن تجارب القيادات لا تكفي وحدها لتحديد النسب المناسبة لتعلّم جميع الموظفين.

كيف نستفيد من النموذج؟

من أهم ما نستفيده من النموذج أن اكتساب المعرفة والمهارة والخبرة له مصادر متعددة في حياة الموظف. فهو يكتسبها من الدورات والبرامج التدريبية، سواء كانت حضورية أو عن بُعد، ومن زملائه ومديره وغيرهم، وكذلك من التجربة والممارسة على رأس العمل.

من المهم أن يدرك الموظف أن تطوّره وتعلّمه لا يرتبطان فقط بحضور دورات تدريبية، وألا يعتقد أن عدم ترشيحه لبرنامج تدريبي يعني أن فرص تعلّمه توقفت.

ولنأخذ مثالًا عمليًا: لنفترض أننا نعدّ موظفًا لقيادة فريق، فنبدأ معه بتعلّم أساسيات توزيع المهام ووضع الأهداف ومناقشة الأداء في برنامج تدريبي. بعدها يعود إلى تطبيق ما تعلّمه في مهامه اليومية، ومتابعة ذلك مع مديره المباشر.

عند التطبيق، قد يواجه موقفًا لم يتناوله البرنامج، أو يكتشف مهارة يحتاج إلى مزيد من الممارسة لإتقانها. هنا يمكنه الاستفادة من جلسات الكوتشنج (Coaching) إن كانت متاحة، أو من توجيه مديره أو زميل لديه خبرة. وهكذا تتكامل مصادر التعلّم وتتكيّف الخطة مع احتياجه.

يوضح الرسم التالي هذا المثال: ما نتعلّمه في البرنامج نطبّقه في العمل، وما تكشفه التجربة نناقشه مع الآخرين ونعود لتعلّمه وممارسته.

ثلاثة مشاهد مترابطة: برنامج تدريبي، تطبيق في العمل، وحوار مع زميل خبير لتحسين الممارسة
رسم توضيحي للمثال: التعلّم في البرنامج، والتطبيق في العمل، والاستفادة من الآخرين تتكامل وفق احتياج الموظف. الرسم تعبيري مولّد بالذكاء الاصطناعي، وليس شكلًا من البحث الأصلي.

إسناد مهمة صعبة وحده لا يكفي. نحتاج أن نحدد ما نريد أن يتعلّمه الموظف خلالها، ومن سيوجّهه، وكيف سيحصل على تغذية راجعة تساعده على الاستفادة من التجربة.

عندما نستشهد بنموذج السبعين عشرين عشرة، من المهم أن نتذكر أن أصله بحث عن تجارب قيادات تنفيذية وخبراتها المتراكمة. لذلك، لا تكفي نتائجه لتحديد نسب التعلّم المناسبة لكل موظف وفي كل مرحلة مهنية. ويمكننا الاستفادة منه في تنويع مصادر التعلّم والجمع بينها، وفق خبرة الموظف وما يحتاج إلى تطويره، ومتابعة ما تعلّمه وقدرته على تطبيقه في العمل.

المراجع

  1. Learning from Experience — أبحاث دروس الخبرة
  2. CCL — The Influence of Personal Life & Hardships on Leadership Development (2020)
  3. CCL — Leadership Models for Development (2024)، صفحة 14
  4. TalentTelligent — The 70-20-10 Leadership Development Model (2026)
  5. Training Industry — Moving Beyond 70-20-10 (2023)
  6. About Training Industry, Inc.
  7. TalentTelligent — Our Origin Story: Building an Evidence-Based Talent Management System

النقاش

أرحب برأيك وتجربتك حول موضوع هذا المحتوى. تُراجع التعليقات قبل نشرها، ولن يظهر بريدك الإلكتروني للزوار.

شارك برأيك

أرحب برأيك وتجربتك. تُراجع التعليقات قبل نشرها، ولن يظهر بريدك الإلكتروني للزوار.


هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

عبدالعزيز التميمي

تمتد مسيرتي في الموارد البشرية لأكثر من عشرين عامًا، تدرّجت خلالها من البدايات في التدريب إلى مسؤوليات قيادية عبر قطاعات متعددة. أكتب هنا عن الإنسان والقيادة والعمل.

أعجبتك المقالة؟

تصلك المقالات الجديدة على بريدك، بلا إزعاج.

لنتحدّث عن مشاركتك القادمة

لدعوات المشاركة في المؤتمرات والجلسات المهنية، واللقاءات التلفزيونية والإذاعية والبودكاست.

تواصل ودعوات المشاركة ←

الإرشاد المهني الفردي

الإرشاد المهني الفردي — تسجيل اهتمام

سجّل اهتمامك ←