الحماس الذي كان ينتابني وأنا أشاهد توني ستارك (آيرون مان) يتحدث مع جارفيز في أفلام مارفل لم يكن يعرف حدودًا. لم أتصور يومًا أن أعيش تجربة تشبه تجربة توني في حياتنا؛ كنت أرى أنها تقنية من الخيال العلمي لن نستطيع اللحاق بها.
أنا شغوف بالتقنية منذ صغري، وأتابعها بفضول وحماس. لكن ما عشته خلال الأشهر الماضية كان مختلفًا؛ بدأت أرى قدرات الذكاء الصناعي تعمل على مشاريع وتجارب تخصني، وبصورة لم أتوقعها.
اشتريت ساعة من موقع حراج، وكان الذكاء الصناعي يتولى البحث والتواصل والتفاوض مع البائعين. كنت أراه يساوم، ويرد، ويعتذر، بينما أحدد له القواعد التي يعمل ضمنها. لا أظن أن تدخلي تجاوز خمسة في المئة في هذه المهمة. وانتهت التجربة بشراء الساعة بأفضل سعر كنت أتوقعه. هذا الذي كنت أراه في الأفلام أصبح جزءًا من تجربة شراء عادية في حياتي.
بناء الموقع
والموقع الذي تقرؤون فيه الآن مثال أكبر على ذلك.
بدأت هذا الموقع عام 2012م، وخبرتي في تصميم المواقع والجوانب التقنية محدودة جدًا. كنت أشتري قوالب جاهزة وأحاول التعامل معها. وكانت كتابة المقال ونشره تتطلبان مني جهدًا كبيرًا. وحتى صورة المقالة كانت تستغرق مني، دون مبالغة، ساعات من البحث والتدقيق والمقارنة، فأنا دقيق في اختياراتي، وأبحث عن صورة تعبّر عما أريد، لكنني لم أكن أعرف كيف أصممها من الصفر.
أهملت الموقع مع الوقت رغم شغفي به. وكان هناك شخص يساعدني سابقًا، ثم أصبحت أحرج من العودة إليه في كل مرة أحتاج فيها إلى المساعدة.
خلال الفترة الأخيرة، أعدت بناء الموقع باستخدام مجموعة من أدوات الذكاء الصناعي، من الإعدادات إلى التصميم ومعالجة المشكلات، دون الانطلاق من قالب جاهز. وانغمست في العمل إلى حد أنني كنت أبقى أحيانًا أمام الجهاز حتى الرابعة أو الخامسة فجرًا، وزوجتي تسحبني منه حتى أذهب إلى النوم.

حين أقول «موظفًا خارقًا»، أقصد موظفًا تتسع قدرته على الإنجاز بمساعدة هذه الأدوات، وتظل معرفته ضرورية لتوجيهها والحكم على نتائجها.
حماسي لهذه الإمكانات لا يعني أنني أتجاهل المخاوف من أثرها في الوظائف، أو من الاعتماد عليها إلى درجة تقلل تفكيرنا. لا أستبعد هذه المخاوف، لكنني اخترت أن أتعلم وأجرب، وأن أفهم كيف أستفيد من هذه الأدوات في عملي وحياتي.
المهارات التي نحتاجها
قبل أن أبدأ استخدام هذه الأدوات، كنت أكرر نصيحة لكل من يسألونني عن تطوير أنفسهم فأقول: تمكّنوا من التواصل، وتعلّموا التعامل مع البيانات.
أن تستطيع ترتيب أفكارك والتعبير عنها بثقة، وإعداد عرض واضح تحكي من خلاله قصة يفهمها الآخرون. وأن تعرف كيف تستخدم Excel، وتفهم لوحات المؤشرات، وتحلل الأرقام وتعرض نتائجها بما يساعد على اتخاذ قرار صحيح.
اليوم أضيف إلى هاتين المهارتين القدرة على التعامل مع الذكاء الصناعي واستخراج أفضل ما يمكن أن يقدمه لك. ومن تجربتي، هناك أمران لا أرى مجالًا للتنازل عنهما حتى تستفيد منه فعلًا.
أولًا: أن تستوعب الأداة التي تعمل معها؛ كيف تتعامل معها، وكيف تنتج إجاباتها، وما الذي تجيده، وأين تحتاج إلى التوجيه والمراجعة. وأن تعرف الفرق بين الأدوات المختلفة، ومتى تستخدم كل واحدة، وكيف تربط بينها لخدمة العمل الذي تريد إنجازه.
ثانيًا: أن تكون لديك معرفة كافية بالمجال الذي تعمل عليه حتى تستطيع الحكم على النتيجة. وإلا فقد تصبح كالببغاء الذي يكرر كلامًا لا يفهمه. قد تنبهر بجمال العرض أو ترتيب النص، ثم تقدّم عملًا مليئًا بالأخطاء، ولا تكتشف ذلك إلا عندما يراه شخص يفهم الموضوع.
ما زلت أحتاج إلى معرفتي
وهذا تحديدًا ما أدركته وأنا أعمل على الموقع. رغم كل ما استطاع الذكاء الصناعي إنجازه، كان لحكمي واختياراتي ومراجعتي دور كبير. كانت هناك مراحل شعرت فيها أن النتيجة ليست كما أريد، أو أن الطريقة تحتاج إلى تعديل. ولو لم أملك هذا الإدراك، لقبلت ما ظهر أمامي ومضيت.
قد يكون هناك توجيه معين، أو «برومبت»، يساعدني على الوصول إلى نتيجة أفضل.
لكن حتى معرفتي بأنني أحتاج إلى هذا التوجيه تتطلب فهمًا لما ينقص العمل.
أحتاج أن أعرف ما الذي أسأل عنه، وأن ألاحظ المشكلة، وأن أميّز النتيجة الجيدة فعلًا من تلك التي تبدو جيدة.
لهذا خرجت من تجربتي مقتنعًا بأن الوصول إلى عمل يمثلك ويعبّر عما تريد يحتاج إلى خبرتك ومعرفتك. وكلما زاد فهمك لما تعمل عليه، استطعت أن توجّه الأداة وتحكم على ما تقدمه لك بصورة أفضل.
مسؤولية التعلم
إذا أردت أن تكون «موظفًا خارقًا» بمساعدة الذكاء الصناعي، فعليك أن تبذل الوقت والجهد لبناء وتطوير نفسك، وتثقيفها.
أنت المسؤول الأول عن تطوير نفسك. مديرك يساعدك، وإدارة الموارد البشرية وإدارة التدريب لهما دور، لكن مسؤولية تعلمك لا تقع عليهما وحدهما. لا تنتظر أن يأتي شخص في كل مرة ليخبرك ماذا تتعلم، وكيف تتحسن، وما الذي تحتاج إليه في خطوتك التالية.
أحب عبارة «Stay hungry, stay foolish» التي رددها ستيف جوبز في خطابه بستانفورد. وأفهمها بطريقتي: ابقَ جائعًا للمعرفة، واحتفظ بفضولك واستعدادك للسؤال والتجربة، ولا تصل إلى مرحلة تعتقد فيها أنك أصبحت تعرف ما يكفي. ومع كل ما أصبح الذكاء الصناعي قادرًا على مساعدتي فيه، أشعر أن حاجتي إلى التعلم صارت أكبر.





النقاش
أرحب برأيك وتجربتك حول موضوع هذا المحتوى. تُراجع التعليقات قبل نشرها، ولن يظهر بريدك الإلكتروني للزوار.