كنت أرى أن المشكلة في مديري

في مرحلة مبكرة من مسيرتي المهنية، حيث لم تتجاوز خبرتي خمس سنوات، كنت أعمل في إدارة لا يوجد فيها ضغط عمل كبير، ولا توزيع واضح للمهام، فكان يمر عليّ وقت طويل دون وجود مهام عمل أنشغل بها.

وكان التعامل مع مديري المباشر وقتها صعبًا، فقد كان سريع الغضب ومتعنتًا، ولم تكن علاقتنا مريحة. وما زاد الموضوع سوءًا هو قلة خبرتي وصغر سني أيضًا، يصاحبهما كمية من العناد لا بأس بها، فدائمًا ما كنت مقتنعًا بأنني على صواب وهو على خطأ.

اقتراح لم أقتنع به

كان يشتكي مني إلى مدير الموارد البشرية، الذي سبق أن عمل معنا في الإدارة نفسها. ومن هنا، وفي أحد الأيام، استدعاني مدير الموارد البشرية واقترح عليّ أن أنتقل إلى العمل في إدارة أخرى، معللًا ذلك بأنني غير مرتاح في العمل، وكذلك بسبب المشاكل بيني وبين مديري المباشر.

رفضت، وقلت له: «إذا كانت هناك أية مشاكل، لماذا أهرب منها؟ المفروض أن نبحث عن حلول لها!».

بكل أمانة وصدق، كنت مؤمنًا جدًا بهذا الكلام، لكنني للأسف لم أجلس مع مديري لأناقش معه هذا الموضوع، ولا هو أيضًا دعاني للحديث معه حتى يوضح ملاحظاته على عملي. بقيت متمسكًا بموقفي، واستمرت الخلافات، وأصبح الوضع متعبًا.

انتقلت لاحقًا إلى الإدارة الجديدة. هل اقتنعت بالنقل، أم أن القرار فُرض عليّ؟ لا أذكر بصراحة! لكنني عملت في الإدارة الجديدة مع مدير رائع ومحترف، ووجدت عملًا أشغل به وقتي وأقدّم فيه الكثير. كان ضغط العمل كبيرًا، وكنت أقضي ساعات طويلة وأنا مستمتع بما أنجزه.

كلمة على انفراد

وفي أحد الأيام، أثناء تنفيذ أحد البرامج التدريبية، استدعاني مديري وقال: «تعال، أبيك في كلمة رأس».

قلت له: «تفضل».

قال: «يا أخي، وش قصتك؟ سألني عنك مدير الموارد البشرية، وقال: كيف عبدالعزيز معك؟ أثنيت عليك، وقلت له: شكرًا على عبدالعزيز، هدية أعطيتني إياها».

ثم نقل لي رده:

«عبدالعزيز؟ متأكد أنك تتكلم عن نفس الشخص؟»

أكد له مديري أنه يتحدث عني، وأنه سعيد بعملي معه. لكنه أراد أن يفهم مني سبب ذلك الاستغراب.

أسعدني تقديره، لكن أحزنني أن تكون الصورة السابقة عني بهذا السوء. شرحت له ما حدث مع مديري السابق، والخلافات التي استمرت، ورفضي الانتقال حين عُرض عليّ.

استمع إليّ، ثم قال لي إنني أتحمل أيضًا جزءًا من المسؤولية. كان بإمكاني أن أتحدث مع مديري، أو أستعين بشخص أكثر خبرة يساعدني على التعامل مع الموقف. لكنني بقيت في مكاني، ورفضت الحل المقترح، وتركت المشكلة تتفاقم.

كان كلامه صريحًا. بدأت أرى أنني ساهمت في تكوين الصورة التي أزعجتني، ولم أعطِ نفسي فرصة كافية لتغييرها.

مراجعة موقفي

حين أراجع موقفي اليوم، أجد أن قلة خبرتي ربما أثّرت في طريقة تعاملي مع المشكلة. وربما كان وراء رفضي خوف من التغيير، أو من الانتقال إلى مكان جديد والفشل فيه. كنت أقول إنني أريد مواجهة المشكلة، لكنني فعليًا لم أواجهها أو أحاول حلها، بل فضّلت الاختباء والسكون. لم أتوقف لأقيّم ما أستطيع فعله، ولم أطلب المساعدة.

قد تكون في مكان لا يناسبك، ومع مدير يصعب عليك العمل معه، وتكون أنت أيضًا جزءًا من المشكلة بسبب طريقة تعاملك معها.

إدراك دورك لا يعفي الآخرين من مسؤوليتهم، لكنه يساعدك على رؤية الخيارات المتاحة لك.

كان الانتقال أحد هذه الخيارات، وكان النقاش ومواجهة المشكلة كذلك. رفضت الانتقال وأنا مقتنع بأنني على صواب، وأنه قرار خاطئ وهروب من المشكلة، لكنني اكتشفت لاحقًا أنه كان الحل المناسب والصحيح الذي وجدت فيه فرصة للعمل والإنجاز، ومراجعة نفسي أيضًا.

النقاش

أرحب برأيك وتجربتك حول موضوع هذا المحتوى. تُراجع التعليقات قبل نشرها، ولن يظهر بريدك الإلكتروني للزوار.

شارك برأيك

أرحب برأيك وتجربتك. تُراجع التعليقات قبل نشرها، ولن يظهر بريدك الإلكتروني للزوار.


هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

عبدالعزيز التميمي

تمتد مسيرتي في الموارد البشرية لأكثر من عشرين عامًا، تدرّجت خلالها من البدايات في التدريب إلى مسؤوليات قيادية عبر قطاعات متعددة. أكتب هنا عن الإنسان والقيادة والعمل.

أعجبتك المقالة؟

تصلك المقالات الجديدة على بريدك، بلا إزعاج.

لنتحدّث عن مشاركتك القادمة

لدعوات المشاركة في المؤتمرات والجلسات المهنية، واللقاءات التلفزيونية والإذاعية والبودكاست.

تواصل ودعوات المشاركة ←

الإرشاد المهني الفردي

الإرشاد المهني الفردي — تسجيل اهتمام

سجّل اهتمامك ←